أحمد بن عميرة المخزومي
123
تاريخ ميورقه
وأظلم الجو من ذلك الإسراج ، وسقط السّور ومعه ثلاثة من الأبراج « 1 » ، وزحف الرّوم إلى القتال ، وماج عسكرهم بالأهوال ، ووقف المسلمون على بنيتهم ، بصدق من نيتهم ، فأغنوا غناء الكرام ، واستسهلوا صعب ذلك المقام . ولم تزل الكرّات تتمادى ، والجراح تتهادى ، والحديد للحديد قارع ، والسّيف بين الفريقين واصل وفيهما قاطع ، حتى حجز بينهما المساء « 2 » ، وقد أغامت بمثار النّقع السّماء ، وباكروهم القتال ، وخلطوا بالرّجال الرجال ، واستمرّ ذلك يوما بعد يوم ، وأفنت الحرب / 40 / قوما إثر قوم ، وخبايا البلايا تبدو ، والمعاول في المشيد تشدو ، ونعرات المجانيق بركائب الجلاميد تحدو . هذا ونوء الشتاء قد أمطر ، والخصر « 3 » بالبرد الذي أفرط صائم ما أفطر ، حتى ضنيت « 4 » الجسوم ، وكثرت الكلوم ، وكلّ المسلمون وتكالت الرّوم ، ووصلوا إلى نقب السّور الجديد ، وصالوا عليه ببأس الحديد الشديد ،
--> ( 1 ) في يوم السبت 13 محرم سنة 627 ه / 1 ديسمبر 1229 م ، سقطت الأبراج الغربية ، وأصبح الطريق ممهدا لدخول المدينة ، وفي 4 ديسمبر تمكن الغزاة من فتح ثغرة كبيرة في الأسوار ، ولكن القوات الإسلامية جابهتهم بقوة وردتهم على أعقابهم ، مما أغضب الملك خايمي ودعا جميع الفرسان وأمرهم بمواصلة القتال حتى النهاية ، وقد عاهدوه على ذلك . ميجيل الكوبير ، الإسلام في ميورقة ، ص 85 . ( 2 ) استعارة مكنية شبّه فيها المؤلّف المساء بالشيء المادّي الذي يقوم بوظيفة الحجز كالحائط والسدّ وغيرهما . ( 3 ) الخصر : البرد يجده الإنسان في أطرافه ، وإذا كان معه جوع فهو خرص . والخصر البارد من كل شيء ، يقال : خصرت يدي ، وخصر يومنا : اشتد برده . لسان العرب ، ج 4 ، ص 243 . ( 4 ) الضّنى : المرض . ضني الرجل يضنى ضني شديدا إذا كان به مرض مخامر . والضّنى : السقيم الذي قد طال مرضه وثبت فيه . وأضناه المرض أي أثقله . وتضنّى الرجل إذا تمارض . ورجل ضني وامرأة ضني ، ويستوي فيه المذكر والمؤنث والجمع لأنه مصدر . لسان العرب ، ج 14 ، ص 486 .